الغزالي
402
إحياء علوم الدين
وإن كان متفقها ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فهو فقير ولا تعتبر قدرته ، وإن كان متعبدا يمنعه الكسب من وظائف العبادات وأوراد الأوقات فليكتسب ، لان الكسب أولى من ذلك ، قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « طلب الحلال فريضة بعد الفريضة » وأراد به السعي في الاكتساب . وقال عمر رضي الله عنه : كسب في شبهة خير من مسألة ، وإن كان مكتفيا بنفقة أبيه أو من تجب عليه نفقته فهذا أهون من الكسب ، فليس بفقير الصنف الثاني : المساكين والمسكين : هو الذي لا يفي دخله بخرجه ، فقد يملك ألف درهم وهو مسكين ، وقد لا يملك إلا فأسا وحبلا وهو غنى ، والدويرة التي يسكنها والثوب الذي يستره على قدر حاله لا يسلبه اسم المسكين ، وكذا أثاث البيت ، أعنى ما يحتاج إليه ، وذلك ما يليق به ، وكذا كتب الفقه لا تخرجه عن المسكنة ، وإذا لم يملك إلا الكتب فلا تلزمه صدقة الفطر ، وحكم الكتاب حكم الثوب ، وأثاث البيت فإنه محتاج إليه ، ولكن ينبغي أن يحتاط في قطع الحاجة بالكتاب ، فالكتاب محتاج إليه لثلاثة أغراض : التعليم ، والاستفادة ، والتفرج بالمطالعة . أما حاجة التفرج فلا تعتبر كاقتناء كتب الأشعار وتواريخ الاخبار وأمثال ذلك مما لا ينفع في الآخرة ولا يجرى في الدنيا إلا مجرى التفرج والاستئناس ، فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر ، ويمنع اسم المسكنة . وأما حاجة التعليم إن كان لأجل الكسب كالمؤدب والمعلم والمدرس بأجرة فهذه آلته ، فلا تباع في الفطرة كأدوات الخياط وسائر المحترفين ، وإن كان يدرس للقيام بفرض الكفاية فلا تباع ولا يسلبه ذلك اسم المسكين لأنها حاجة مهمة . وأما حاجة الاستفادة والتعلم من الكتاب كادخاره كتب طب ليعالج بها نفسه أو كتاب وعظ ليطالع فيه ويتعظ به ، فإن كان في البلد طبيب وواعظ فهذا مستغنى عنه ، وإن لم يكن فهو محتاج إليه ، ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعة الكتاب إلا بعد مدة ، فينبغي أن يضبط مدة الحاجة . والأقرب أن يقال : ما لا يحتاج إليه في السنة فهو مستغنى عنه ، فان من فضل من قوت يومه شيء لزمته الفطرة ، فإذا قدرنا القوت باليوم